السيد كمال الحيدري

221

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

لنقارن بين هذا الفهم للقدر الذي يصلّب إرادة الإنسان ويرسّخ إمكانه على الفعل ، ويحرّضه على أن يصنع قدره بنفسه من خلال سنن الله المودعة في الكون اكتشافاً ووعياً وفعلًا ، لكي لا تمرق السنن من بين يديه ولا تسحقه عجلة الوقائع ، ولا يقع مخلوب اللبّ عاجزاً أمام الحوادث مستسلماً لها باسم الإيمان بالغيب ، وبين فهم الغربيين ومن يتابعهم لما يسمّونه « معضلة القدر والحريّة » « 1 » ، وفقاً لتصوير كاتب قدير لهذا الفهم ، جاء فيه : « إنّ ( القدر ) في تصوّرهم ( الغربيّين ) ضربة مفاجئة تجىء على حين غفلة لكي تقصم ظهر الإنسان ، ودعابة درامية ثقيلة ومحزنة تصوّر الآلهة وهم يرسمون الخطط الخبيثة لإيقاع العباد في الشباك التي نُصبت بمهارة . . إنّ الصورة القرآنية تكنس هذا الغثاء لكي تُعيد صيغة العلاقة بين الناس وأقدارهم إلى موقعها الإنسانى المنطقىّ العادل . . وبهذا يؤكّد الإسلام موقفه الإنسانى المفتوح ورفضه الكلّى للقدرية التراجيدية القائمة على الغشم والمفاجئة » « 2 » . كثيراً ما نرى نقّاد الفكر الاجتماعي العام الذي لا يلتزم أصحابه بمنطلقات الإسلام وخياراته ، يستكثرون على أنفسهم نقد القدرية التواكلية والغيبية الاستسلامية ويعدّون ذلك إنجازاً كبيراً ، وهذه نصوص الصدر تفيض بهذا وما يزيد عليه ، حين يزيل الغشاوة عمّن يتوهّم أنّ النصر حقّ إلهىّ للمسلمين لمجرّد أنّهم مسلمون : « لا تتخيّلوا أنّ النصر حقّ إلهي لكم ، وإنّما النصر حقّ طبيعىّ لكم بقدر ما يمكن أن توفّروا الشروط الموضوعية لهذا النصر ، بحسب منطق سنن التأريخ التي وضعها الله سبحانه كونياً لا تشريعيّاً » « 3 » . وفى السياق ذاته انطلق نقده في أماكن عديدة لنظريات التفسير الإلهى

--> ( 1 ) التفسير الإسلامي للتاريخ ، د . عماد الدين خليل ، ط 4 ، ص 138 فما بعد . ( 2 ) التفسير الإسلامي للتاريخ ، مصدر سابق ، ص 150 149 . ( 3 ) المدرسة القرآنية ، مصدر سابق ، ص 50 .